الأحد، 3 مايو 2009

ومرت علينا..

ومرَّت تلك الفتاة علينا...

كنا جالسين في ذلك المقهى الذي لا يحمل اسماً، مقهى قديم كقدم صاحبه، صاحبه الذي خط الشيب صلعته وذقنه فمنحه احتراماً لا يستحقه في الواقع..

كنت جالساً أفكر في لعبة صعبة أضعها لصديقي (محمد عفشه)، وأنا ألاعبه (الدومينو)، أحياناً أنسى اسم أبوه الحقيقي، فقد طغى اسم مهنته على اسم أبيه طغياناً مبيناً، والحق أقول أن (محمد) لا يُشق له غبار في تصليح عفشات السيارات كأنما وُلد في واحدة منها!..

ابتسم وهو يرى على وجهي أمارات التفكير العميق، كأنما سرَّه هذا وأشعره بالزهو والسعادة، وأنه بارع في اللعبة فقد جعلني أقف مفكراً كالصنم..

ثم نادى على (علي) القهوجي وطلب منه كوبين من الشاي الأسود الثقيل وحجر معسل واحد، المعسل له بالطبع فأنا لم ولن أدخن في حياتي سوى السجائر!..

جاء (علي) ولما رأيته لا أدري لمَ تذكرت ذلك الممثل الضخم في فيلم (إسماعيل يس) عندما كان الأخير حانوتياً والأول هو مساعده وكانت جملته المشهورة: منبى يا معلمي منبى..

بالفعل (علي) يشبهه كثيراً فهو ضخم الجثة مثله، عقله كعقل الطفل الصغير، أخذ يضع أمامنا الشاي ويعدل من وضع حجر المعسل أمام (محمد) فداعبته قائلاً:

- ازيك يا واد يا (علي) مش ناوي تخس شوية؟

يضحك ضحكته المجاملة كأنما يخبرني أنه يحتملني فقط لأنني مصدر رزق له لا أكثر، وأنه لولا اضطراره لاحتمالي لطردني من المكان بصحبة عدة ركلات وبصقات ولا داعي لذكر السباب كذلك..

- هي هي.. لا مش ناوي يا (سيد) باشا..

شعرت بضيقه فلم أعلق، وسمعته يجيب نداء هؤلاء الشباب في الخلف ثم يقول بصوت عالٍ:

- تلاتة ينسون وتلاتة شيشة تفاح وصلحه...

سمع النداء ذلك الشاب الواقف خلف منضدة كبيرة عليها أكواب وأكياس من الشاي والسكر والبن والينسون و... إلخ، فقام على الفور بصب الماء المغلي في ثلاثة أكواب ووضع عليها عدة ملاعق من السكر قبل أن يضع على كل واحدة منها ملعقة من الينسون، ثم اتجه إلى خارج القهوة وأمسك بمروحة ورقية وأخذ يهوي فوق الجمرات الساخنة...

تعالت ضحكات الشباب بالخلف فالتفتُ إليهم، ورأيتهم يحملون مجلة صفراء من تلك المجلات المليئة بصور الفتيات الخليعة، وتذكرت شبابي وكيف كنت أجتمع أنا وأصدقائي فاعلين المثل بالضبط، لكني أتساءل عن حمق هؤلاء الشباب فالآن كل شيء متاح على الإنترنت وقنوات الدش، ما الذي يجبرهم على الصور إذاً؟!

مرَّ (علي) جواري حاملاً الشاي ومتجهاً نحوهم، فناديته وسألته عما دار بخاطري، فأجاب:

- متشغلش بالك يا (سيد) بيه.. ده هم شوية عيال صنايعية غلابة، ميعرفوش الحاجات اللي أنت بتقول عليها دي..

ثم تركني ومضى، فتأملت رقعة (الدومينو) أمامي مرة أخرى وأنا أرشف رشفة من كوب الشاي، ثم أخرجت سيجارة علَّ دخانها يساعدني على التفكير، ونظرت في ساعتي لأجدها الحادية عشرة مساءاً وقد اقترب منتصف الليل..

أعرف أن الوقت قد تأخر وأنه حان وقت العودة إلى المنزل، ففي الغد سأستيقظ باكراً كي أذهب إلى العمل، نظر لي (محمد) وقد لاحظ تشتتي وقال:

- إيه الدور الجملي ده؟!

ابتسمت ولم أرد فتابع:

- طب انجز يلَّا لحسن الولية مراتي هتقرفني لو تأخرت أكتر من كده.. الله يحرق أبو الجواز على اللي عايزين يتنيلوا يتجوزوا..

نظرت له متعجباً من حالي وحاله، فأنا كل يوم أتمنى لو كان لي زوجة تلومني على تأخري، وأُغضبها وتغضبني، ونضحك معاً، ونأكل معاً، ونعيش معاً...

مغني في الراديو يترنم بكلمات لا أدري كنهها، والدخان يملأ المكان فاندمجت معه لأغوص داخل ذكرياتي، تذكرت وفاة أبي وأمي، وكيف تركوني وحيداً بلا أخ أو قريب أو....

ما تلك النظرات التي تلمع في عيون كل الرجال في المقهى؟!

ألتفتُ حيث ينظرون فأرى القمر قد نزل من السماء وهبط على الأرض أمام مقهانا ليتهادى في مشيته مثيراً كل مشاعرنا!..

فتاةٌ رائعة الجمال ترتدي فستاناً وردياً تسير في تؤدة أمامنا وعطرها الأخاذ يداعب أنوفنا فيزكمها، تلقي نظرة نحونا بطرف عينها فترانا مبهوري الأنفاس فتضحك في رقة مسرورة بإعجابنا بها...

أخيراً نجحت في السيطرة على رقبتي ولوحتها لأتطلع إلى الرجال في المقهى.. لقد توقفوا عن الحياة تماماً!..

من كان يشرب شاياً وضعه أمام شفتيه دون أن يكمل شربه، ومن كان يدخن توقف عن التدخين، و(علي) كان حاملاً كوباً من الينسون ذاهباً به إلى أحدهم فتوقف في الطريق ليشاهد هذا المنظر الطبيعي، حتى (محمد) أمسك بالمبسم في يده ولم يحرك ساكناً وهو ينظر نحو تلك الفتاة..

واشترك الجميع – حتى صاحب القهوة العجوز – في تلك النظرات المجنونة الشهوانية، نظرات تخبرك بوضوح أن هؤلاء ليسوا رجالاً، إنهم حيوانات جائعة ولو أتيحت لهم الفرصة لانقضوا على تلك الفريسة وجعلوها عبرةً لمن لا تعتبر..

مرَّت تلك الفتاة علينا، لتخبرنا بحقيقتنا وإن لم تغير منها شيئاً...

تجاهلتُ ما حولي ورفعتُ جزءاً من أجزاء (الدومينو) إلى أعلى ثم أنزلته على رقعتها الخشبية فأحدث صوتاً مزعجاً أفاق له الجميع وسمعت ضحكاتهم تتعالى و(علي) يقول مذهولاً:

- منبى يا معلمي منبى!....







13 مارس 2009

أمطار مايو!!


استيقظت ذلك الصباح شاعراً ببرودة، فتحت عينيي بعد معاناة لأجد النافذة مفتوحة على مصراعيها، والهواء يتخبطها كأنما لا يقدر عليه أحد، قفزت من فوق السرير، تجاوزت مرحلة هذيان ما بعد الاستيقاظ، واتجهت نحو النافذة لأجدها تمطر!!
بحثت عن النتيجة سريعاً لأجد أن اليوم هو الثالث من مايو.. حمدت الله أني لم أجن، وأن عقلي ما زال سليماً، اتجهت إلى الحمام ككل يوم، وقفت أمام المرآة بفانلتي (أو فالنتي أيهما أصح!) الداخلية، وشورتي الخفيف، إنه مايو حيث نمت غارقاً في عرقي، فقمت متأففاً لأفتح النافذة.. كيف تمطر إذن؟!
أنهيت إجراءاتي المعتادة، وقررت أن أعيش دور الرجل الذي لا يهاب مثل تلك الأجواء، فارتديت قميصاً خفيفاً على اللحم و....
وها أنا جالس في المستشفى، أُعالج من نزلة برد حادة..
الآن عرفت أن هناك زوبعة جديدة، انضمت إلى زوابع الكون الكثيرة..
زوبعة اسمها: أمطار مايو!!
في 3 مايو 2009

القبعة

مجموعة من القصص القصيرة جداً، كتبتها لأجل مسابقة على الفيس بوك تابعة لجروب (قصص رعب) وقد حصلت على المركز الأول مناصفة مع صديق...

المسابقة كانت عن قصة قصيرة جداً محورها:


القبعة





(1)

يقع على الأرض متخاذلاً.. شفتاه ترتجفان، وعيناه تصرخان بما يشتهيه ويعجز عن قوله لسانه، تصطك أنيابه ويرفع يده الواهنة نحوك في أمل..
تقترب من أبيك وأنت مدرك تماماً أنه يحتاج إلى الدماء، تنحني نحو وجهه وتقرب وريدك العنقي من فمه، يتخيل الدماء التي تندفع في وريدك وهو ينقبض وينبسط من ضربات قلبك المنفعلة، ينظر لك لثوانٍ بعينين تقدران مدى التضحية، ثم يغرز أنيابه في عنقك فتنتفض قبل أن تشعر بخدر يصيبك..
تظل على وضعك حتى يرتوي، ثم تقوم فتراه يستلقي على الأرض ويغمض عينيه في ارتياح راقداً رقاده الأخير، فتمد يدك لترفع عن رأسه تلك القبعة السوداء.. ترتديها وتنظر إلى البدر المنير، وتبتسم ابتسامة واسعة فيرتجف من أنيابك....

***

(2)

تقترب منها في حذر، تريد أن تصنع قبعتك من جلدها، تتلفت حولك كي تتأكد أنه لا أحد في الشارع ليراك، ترفع سكينك فتلمع في ضوء عمود النور الوحيد في الشارع..
تتسلل خلفها في خفة، ويظهر ظلك على الحائط ضخماً جوار ظلها الضئيل، تشعر بك فتلتفت في ذعر، لكنك لا تمنحها الفرصة فتنقض عليها بسرعة البرق فتخرق جسدها الهزيل بسكينك..
تسقط أمامك تنتفض والدماء تسيل منها أنهاراً، ترفع سكينك وتستعد لشق بطنها، تسمعها تموء في ضعف، لكنك تتجاهلها.. تغرز السكين وتبدأ في سلخ جلدها..
تُنهي ما بدأته ثم تعود إلى البيت فتمسك بخيط وتبدأ في تشكيل القبعة..
تنتهي.. تقف أمام المرآة ممسكاً بالقبعة، شاعراً بالرضا..
ترتديها متناسياً أن دماء القطة لم تجف بعد...

***

(3)

تقترب منك وتُلقي في وجهك القبعة التي أهديتها إياها يوماً كي تتذكرك، تصطدم القبعة في صدرك ثم تسقط أمامك على الأرض، تظل تتأملها لحظات ثم تقول بلهجة هادئة: - أين قبعتك؟
تنظر لك في استغراب، لكنك تقول:- أهديتك قبعة وأريد قبعة هدية مثلها..
تسبك وتقول أنك مجنون لكنك تقترب منها، تغرس أسنانك في عنقها وتعضها عضة انتزعت الروح من جسدها، تتركها تشهق شهقاتها الأخيرة، وتتجه إلى المطبخ فتخرج سكيناً كبيرة، تبدأ في سلخ جلدها متجاهلاً الدماء التي تسيل منها..
لا تلقي بالاً لعينيها الجاحظتين اللتين تنظران لك نظرة لا تحيد، تنتهي من تشكيل القبعة، تتجاهل برودتها وترفعها إلى رأسك لترتديها قبل أن تقول: - الآن تعادلنا...

***

(4)

تستيقظ من النوم فتتجه إلى غرفة أمك كعادتك كل صباح لتوقظها، تفتح النافذة كي يدخل ضوء الصباح كما علمتك هى، تتجه نحوها تهزها بيدك وتنادي عليها، لكنها لا ترد وتهتز في يدك كالجيلي..
تهزها بعنف أكثر، وحين ترى عيناها المتسعتين تدرك أنها سافرت كما سافر أبوك من قبل، تشعر بخوف رهيب من الغد فأنت لا تدري من سيدافع عنك الآن عندما يسخر منك الناس قائلين : يا أهبل..
لن تستطيع الحياة وحيداً دونها، فتتجه إلى المطبخ مخرجاً سكيناً حاداً، تبدأ في سلخ جزء كبير من جلدها، تتجاهل الدمع الذي يتساقط من عينيك وتلف الجلد على هيئة قبعة، ثم تلصقه بصمغ قوي..
ترتدي القبعة وترفع يدك تتحسس الجلد الناعم، ثم تغمغم:- الآن لن نفترق يا أمي..

في 16 أبريل 2009